محمد طاهر الكردي

540

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

اللباب . ولعل متصفح هذه الأحرف يظن أن في الوصف بعض الغلو ، كلا لعمر اللّه ، إنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت . وبها عسل أطيب من الماذي المضروب به المثل ، يعرف عندهم بالمسعودي . وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب وكلما يصنع منها من السمن فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة ، ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون ( بالسرو ) نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب ، ويجلبون معه من اللوز كثيرا . وبها قصب السكر أيضا كثيرا ، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها ، والسكر بها كثير مجلوب ، وسائر النعم والطيبات من الرزق والحمد للّه . وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى ، إنهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة ، وفي الأشهر الثلاثة ، رجب وشعبان ورمضان ، يتصل منها أسمطة بين الصفا والمروة ، ولم يشاهد أحد أكمل منظر منها لا بمصر ولا بسواها ، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية ، وجليت في منصات كأنها العرائس ، ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة ، فتلوح كأنها الأزهار حسنا ، فتقيد الأبصار ، وتستنزل الدرهم والدينار . وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب على نواحي الأقطار إنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا ، وما ذاك واللّه أعلم إلا لبركة مراعيها ، هذا على إفراط سمنه ولو كان سواه من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن ، للفظته الأفواه ودكا ، ولعافته وتجنبته ، والأمر في هذا بالضد كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة ، والنفس له قبولا ، فتجده هنيئا رخيصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا ، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما . وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة ، وبركة البلد الأمين قد تكفلت بطيبه لا شك فيه ، والخبر عنه يضيق عن الخبر له ، واللّه يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام ، وتمنى هذه المشاهد العظام ، والمناسك الكرام ، بعزته وقدرته . وهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف ، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها على الرفق والتؤدة ، ومن قرى حولها ، وأقرب هذه المواضيع يعرف بالهدى ، هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا ، وهو من بطن الطائف ويحتوي على قرى كثيرة ، ومن بطن مر وهو على مسيرة يوم أو أقل من نخلة ، وهي على مثل هذه المسافة ، ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها ، قد جلب اللّه إليها من